محمد بن جرير الطبري
349
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
جبريل الذي يذكره صاحبك هو عدو لنا . فقال له عمر : مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ قال : فنزلت على لسان عمر . وهذا الخبر يدل على أن الله أنزل هذه الآية توبيخا لليهود في كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وإخبارا منه لهم أن من كان عدوا لمحمد فالله له عدو ، وأن عدو محمد من الناس كلهم لمن الكافرين بالله الجاحدين آياته . فإن قال قائل : أوليس جبريل وميكائيل من الملائكة ؟ قيل : بلى . فإن قال : فما معنى تكرير ذكرهما بأسمائهما ، وقد مضى ذكرهما في الآية في جملة أسماء الملائكة ؟ قيل : معنى إفراد ذكرهما بأسمائهما أن اليهود لما قالت : جبريل عدونا وميكائيل ولينا ، وزعمت أنها كفرت بمحمد صلى الله عليه وسلم من أجل أن جبريل صاحب محمد صلى الله عليه وسلم ، أعلمهم الله أن من كان لجبريل عدوا ، فإن الله له عدو ، وأنه من الكافرين . فنص عليه بأسمه ، وعلى ميكائيل بأسمه ، لئلا يقول منهم قائل : إنما قال الله من كان عدوا لله وملائكته ورسله ، ولسنا لله ولا لملائكته ورسله أعداء ، لأَن الملائكة أسم عام محتمل خاصا وجبريل وميكائيل غير داخلين فيه . وكذلك قوله : وَرُسُلِهِ فلست يا محمد داخلا فيهم . فنص الله تعالى على أسماء من زعموا أنهم أعداؤه بأعيانهم ليقطع بذلك تلبيسهم على أهل الضعف منهم ، ويحسم تمويههم أمورهم على المنافقين . وأما إظهار اسم الله في قوله : فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ وتكريره فيه . وقد ابتدأ أول الخبر بذكره فقال : مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ فلئلا يلتبس لو ظهر ذلك بكناية ، فقيل : فإنه عدو للكافرين على سامعه من المعني بالهاء التي في " فإنه " أالله أم رسل الله جل ثناؤه ، أم جبريل ، أم ميكائيل ؟ إذ لو جاء ذلك بكناية على ما وصفت . فإنه يلتبس معنى ذلك على من لم يوقف على المعنى بذلك لاحتمال الكلام ما وصفت . وقد كان بعض أهل العربية يوجه ذلك إلى نحو قول الشاعر : ليت الغراب غداة ينعب دائبا * كان الغراب مقطع الأَوداج وأنه إظهار الأَسم الذي حظه الكناية عنه . والأَمر في ذلك بخلاف ما قال ؛ وذلك أن الغراب الثاني لو كان مكنيا عنه لما التبس على أحد يعقل كلام العرب أنه كناية اسم الغراب الأَول ، إذ كان لا شيء قبله يحتمل الكلام أن يوجه إليه غير كناية اسم الغراب الأَول ؛ وأن قبل قوله : فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ أسماء لو جاء اسم الله تعالى ذكره مكنيا عنه لم يعلم من المقصود إليه بكناية الاسم إلا بتوقيف من حجة ، فلذلك اختلف أمراهما . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ يعني جل ثناؤه بقوله : وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ أي أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات دالات على نبوتك . وتلك الآيات هي ما حواه كتاب الله الذي أنزله إلى محمد صلى الله عليه وسلم من خفايا علوم اليهود ومكنون سرائر أخبارهم وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل ، والنبأ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم ، وما حرفه أوائلهم وأواخرهم وبذلوه من أحكامهم ، التي كانت